السيد محمد باقر الصدر
164
بحوث في علم الأصول
مردّد بين المتباينين ، فلا نستطيع أن نشير إلى قسم بعينه ونقول : هذا خرج بعينه ، وذاك مشكوك ، ليصح التمسك بالعام ، ولذا كانت الصيغة الأولى التي طرحت لجواز التمسك بالعام في محل كلامنا ، وهي أن نتمسك بالعام لإثبات حكمه ، لغير ما خرج بالمخصص ، فإنّ المخصص وإن كان مجملا عندنا ، إلّا أنّه محدود واقعا ، ولكن هذا يثبت وجوبا إجماليا ، وهو وجوب إكرام غير ما خرج بالمخصص ، وحينئذ ، يتشكل علم إجمالي بوجوب إكرام أحدهما ، وتنطبق عليه أحد قوانين تنجيز العلم الإجمالي . ولكن يعترض على هذه الصيغة بما عرفته في الحالة الأولى والثانية . والمثال العملي الحي لهذا ، يمكن تحصيله في باب الأصول العملية ، كما في عموم ، « كل شيء ظاهر حتى تعلم أنّه قذر » ، فإنه حينئذ لو كان عندنا إناءان ، وكل منهما مشكوك الطهارة والنجاسة ، فكل منهما فرد من أفراد موضوع العام المذكور ، لأن كلا منهما بخصوصه لا يعلم بقذارته ، فلو حصل لنا علم إجمالي بنجاسة أحدهما ، ونحن نحتمل نجاسة الاثنين معا ، فهنا العلم الإجمالي يمنع من جريان الأصل في كلا الطرفين ، لأنّ إجراء الأصل في كلا الطرفين ، فيه مخالفة قطعية ، وإجراؤه في أحدهما معقول ، من حيث عدم المخالفة القطعية ، وحينئذ ، نقول : بأن العام هذا قد طرأ عليه مخصص ، وهو حكم العقل باستحالة إجراء الأصل العملي في كلا الطرفين ، إذن فهو ساقط في أحدهما يقينا ، لكن هل هو ساقط فيهما معا ؟ أو انّه يمكن إجراؤه في أحد الطرفين الذي لم يعلم سقوط الأصل فيه على إجماله ، أو أنه لا يمكن ذلك ؟ . حينئذ نقول : إنه لا يمكن ذلك ، لأنّ المخصّص العقلي نسبته إلى كلا الطرفين على حد واحد ، فليس له تعيّن ثبوتي في أيّ واحد منهما ، وعنوان : « ما خرج بالمخصص » ، غير متعيّن ، إذن فغير الخارج غير متعيّن . هذه هي المشكلة ، وعليه ، فلا بدّ من صياغة أخرى للتمسك بالعام في المقام ، بحيث تدفع هذه المشكلة فنقول :